محمود محمود الغراب

41

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

المحب إلى عالم التنزيه والغيب ، من حيث ما قد شاهد أيضا محلا للتجلي في تجل أنزه من تجلي الصور في عالم الشهادة ، فحنين المحب الإلهي أبدا لمواطن التجلي من حيث التجلي ، لا من حيث هي ، فإذا تجلى الحق في عالم الصور ، كان في باطن تلك الصور مطلب العارف ، والمحب مغيب مبطون فيها ، ولهذا يورث التجلي في الصور حالا ، وأما التجلي على القلوب فيورث علما . ( ذخائر الأعلاق ) ولما كان المحب للّه في هذه الدار الدنيا مثل شارب ماء البحر ، كلما ازداد شربا ازداد عطشا ، والإنسان في هذه الدار الدنيا مركّب من العناصر ، وهو مدبر لهذا المركب ، لم يتمكن له دوام الرؤية بحكم الاتصال ، فإنه مطلوب بإقامة ملك بدنه وتدبيره ، فلا بد من الحجاب بينه وبين المطلوب ، الذي تيمه وهيمه وهيجه بنيران النظرة إلى التجلي ، فلا يكون التجلي إلا كالبرق في نوره وسرعة زواله ، وهو الوقت الذي لا يسعه فيه غير ربه ، فإنه لا حجاب لقلوب العارفين إلا هذا العالم الطبيعي ، والمناظر العلى متأهبة لإدراكات قلوب العارفين ، وعالم الطبيعة يحجبها عن إدراك تلك المناظر ، فالقلوب لها أوقات مع اللّه تعالى ، وأوقات مع نفوسها وحظوظها ، فإذا سمعت المحقق يطلب التجرد من الهيكل الطبيعي ، والتحاق روحه بعالمها البسيط ، أي يطلب الموت ، فاعلم أنه يطلب التجرد عنه حالا وفناء لا انفصال علاقة ، لما للروح بوجود هذا الهيكل المركب من المزيد فيما هي بسبيله ، فبقاء عين الكون ظهور الحضرة الإلهية وأسمائها الحسنى ، وهو جمال الكون ، فلو ذهب الكون لم تعلم ، فبالرسوم والجسوم انتشرت العلوم ، وتميزت الفهوم ، وظهر الاسم الحي القيوم ، فسبحان من أرسل رحمته عامة على خلقه وكونه ، لشهود صنعته وعينه . ( ذخائر الأعلاق ) فمحب يتمثل أن وجود اللذة بمحبوبه في الحس أعظم منها في الخيال ، فذلك لغلبة الكثافة على هذا المحب ، ويغفل عن لذة التخيل في حال النوم ، فإنه أشد من التذاذه بالخيال ، لأنه أشد اتصالا به من الخيال ، والاتصال بالخيال أشد من الاتصال من خارج وهو المحسوس ، فلذته بالمعنى أشد اتصالا من الخيال ، وطائفة من المحبين نظرت إلى المثال الذي في خيالها من ذلك الموجود ، الذي يظهر محبوبه فيه ، ويعاين وجود محبوبه ، وهو الاتصال به في خياله ، فيشاهده متصلا به اتصال لطف ألطف منه في عينه في الوجود الخارج ، وهو الذي اشتغل به قيس المجنون عن ليلى حين جاءته من خارج ، فقال لها :